الملا فتح الله الكاشاني

29

زبدة التفاسير

لا يستحقّ العبادة سواه . ولمّا صار الموصوف بهذا الوصف كالمدرك بالعيان ، والمشاهد بالبرهان ، فكأنّ المعلوم المميّز بتلك الصفات العظام صار عيانا ، والمعقول مشاهدا ، والغيبة حضورا ، فقال : يا من هذا شأنه وهذه صفاته * ( إِيَّاكَ نَعْبُدُ ) * أي : نخصّك بالعبادة في كلّ الحالات * ( وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ) * ونخصّك بطلب المعونة في جميع المهمّات . فتقديم المفعول إنّما هو لقصد الاختصاص ، ولهذا قال ابن عبّاس : معناه : نعبدك ولا نعبد غيرك . واعلم أنّ « إيّا » ضمير منفصل للمنصوب ، والكاف والهاء والياء اللاحقة به في « إيّاك » و « إيّاه » و « إيّاي » لبيان الخطاب والغيبة والتكلَّم ، ولا محلّ لها من الإعراب ، كالتّاء في « أنت » والكاف في « أرأيتك » ، إذ هي حروف عند المحقّقين ، وليست بأسماء مضمرة كما قاله بعضهم . ومن عادة العرب التفنّن في الكلام ، والعدول من أسلوب إلى آخر تنشيطا للسامع ، فإنّ لكلّ جديد لذّة ، ويسمّى هذا التفاتا . وهو قد يكون من الخطاب إلى الغيبة ، ومن الغيبة إلى الخطاب ، ومن الغيبة إلى التكلَّم ، كقوله تعالى : * ( حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وجَرَيْنَ بِهِمْ ) * « 1 » ، وقوله : * ( واللَّه الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحاباً فَسُقْناه ) * « 2 » . والفائدة المختصّة به في هذا الموضع قد ذكرت آنفا . والعبادة أقصى غاية الخضوع والتذلَّل ، ومنه : طريق معبّد أي : مذلَّل ، ولهذا لا تحسن إلَّا للَّه سبحانه الَّذي هو مولى أعظم النعم . وقدّمت العبادة على الاستعانة ليتوافق رؤوس الآي ، وليعلم منه أنّ تقديم الوسيلة على طلب الحاجة أدعى إلى الإجابة . والضمير المستكنّ في الفعلين للقارئ ومن معه من الحفظة وحاضري

--> ( 1 ) يونس : 22 . ( 2 ) فاطر : 9 .